الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

355

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وَلا مَا اتَّخَذُوا عطف على ما كَسَبُوا وأعيد حرف النفي للتأكيد ، و أَوْلِياءَ مفعول ثان ل اتَّخَذُوا . وحذف مفعوله الأول وهو ضميرهم لوقوعه في حيز الصلة فإن حذف مثله في الصلة كثير . وأردف عَذابٌ مُهِينٌ بعطف وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ لإفادة أن لهم عذابا غير ذلك وهو عذاب الدنيا بالقتل والأسر ، فالعذاب الذي في قوله : وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ غير العذاب الذي في قوله : أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ . [ 11 ] [ سورة الجاثية ( 45 ) : آية 11 ] هذا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ ( 11 ) جملة هذا هُدىً استئناف ابتدائي انتقل به من وصف القرآن في ذاته بأنه منزل من اللّه وأنه من آيات اللّه إلى وصفه بأفضل صفاته بأنه هدى ، فالإشارة بقوله : هذا إلى القرآن الذي هو في حال النزول والتلاوة فهو كالشئ المشاهد ، ولأنه قد سبق من أوصافه من قوله : تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [ الجاثية : 2 ] وقوله : تِلْكَ آياتُ اللَّهِ [ الجاثية : 6 ] إلى آخره ما صيره متميزا شخصا بحسن الإشارة إليه . ووصف القرآن بأنه هُدىً من الوصف بالمصدر للمبالغة ، أي : هاد للناس ، فمن آمن فقد اهتدى ومن كفر به فله عذاب لأنه حرم نفسه من الهدى فكان في الضلال وارتبق في المفاسد والآثام . فجملة وَالَّذِينَ كَفَرُوا عطف على جملة هذا هُدىً والمناسبة أن القرآن من جملة آيات اللّه وأنه مذكّر بها ، فالذين كفروا بآيات اللّه كفروا بالقرآن في عموم الآيات ، وهذا واقع موقع التذييل لما تقدمه ابتداء من قوله : وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ [ الجاثية : 7 ] . وجيء بالموصول وصلته لما تشعر به الصلة من أنهم حقيقون بالعقاب . واستحضروا في هذا المقام بعنوان الكفر دون عنواني الإصرار والاستكبار اللذين استحضروا بهما في قوله : ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً [ الجاثية : 8 ] لأن الغرض هنا النعي عليهم إهمالهم الانتفاع بالقرآن وهو النعمة العظمى التي جاءتهم من اللّه فقابلوها بالكفران عوضا عن الشكر ، كما جاء في قوله تعالى : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [ الواقعة : 82 ] . والرجز : أشد العذاب ، قال تعالى : فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ [ البقرة : 59 ] . ويجوز أن يكون حرف مِنْ للبيان فالعذاب هو الرجز ويجوز أن يكون للتبعيض ، أي عذاب مما يسمى بالرجز وهو أشده . و أَلِيمٌ يجوز أن يكون وصفا ل عَذابٌ فيكون مرفوعا وكذلك قرأه الجمهور .